تعدية الفعل بحرف الجر ودوره الدلالي.. «يسارعون فـي» و«سارعوا إلى» نموذجا «4»
يتم التركيز في هذه المقالة على الفهم العميق للفعل "يسارعون في الخيرات" والذي يُستخدم للدلالة على التنافس النبيل في الطاعات. يشير الفعل إلى السعي الجاد والمتواصل لتحقيق رضا الله ونيل الدرجات العليا في الآخرة. يُستخدم الفعل في سياق يدل على المنافسة الشريفة…

نواصل في هذه الحلقة تكملة الموضوع الذي نشر خلال شهر رمضان المبارك، في الفرق الدلالي بين «يسارعون في» و«سارعوا إلى»، وأثر حرف الجر في تغيير المعنى.
لم يقل النص: «يسرعون» وإن قرئ به، لأن هذه الصيغة لا تبرز التنافس والمسارعة والسباق المحموم الذي لا يعرف الكلال ولا يتطرق إليه الملال، وهو سباق متواصل، متتابع، متنام، متبصر، فيه التنافس الشريف والسباق العفيف لإرضاء العزيز الحميد اللطيف.
وأولئك الذين يسارعون في الخيرات إنما يسارعون في الطاعات التي اشترعها الله، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات وأرفع الغرفات. وقرئ «يسرعون» في الخيرات، أي يكونون سراعا إليها، و«يسارعون» على معنى يسابقون من سابقهم إليها، فالمفعول محذوف وهو عارض بالحذف، فكأنهم يسارعون كل الخلق.
ثم حذف المفعول به، وهو المتنافس معهم في السباق والمسارعة، وحذف لكثرة المتسارعين والمتسابقين على تلك الغاية النبيلة والمقصد الأسنى، وهو رضا الله ونوال الدار الآخرة.
نواصل في هذه الحلقة تكملة الموضوع الذي نشر خلال شهر رمضان المبارك، في الفرق الدلالي بين «يسارعون في» و«سارعوا إلى»، وأثر حرف الجر في تغيير المعنى.
وتكمن البلاغة في استعمال الفعل «يسارعون في الخيرات» في تلك الاستعارة بالكناية عن الجد والحرص، حيث يتم تشبيه المسارعة بالركض الواعي والجري المتبصر، فالجميع يسارع ويتكفأ وينهض ويواصل، وأنفسه تكاد تتقطع في صدره، لكنه يواصل التحدي طاعة وتسبيحا وتحميدا وتكبيرا وحوقلة واستغفارا وتلاوة للكتاب العزيز.
ويمتد ذلك إلى خدمة العجزة وكبار السن واليتامى والمطلقات والعوانس ومن لا يبصر، فهم ينهضون لخدمة كل هؤلاء دون انتظار شكر أو ارتقاب مدح، وكلهم يسعى وربه في باله، أثنى الناس أم لم يثنوا، فهم ماضون في عمل الخيرات لا يتكاسلون ولا يملون، وعلى ربهم يتوكلون.
والجميل هنا استعمال حرف الجر «في»، الذي يفيد الديمومة والاستقرار في فعل الخير، والانغماس والاختلاط التام به، والذهاب لعمله في كل بقاع الدنيا، حتى إنك من شدة تداخلهم مع الناس وتزاحمهم في فعل الخيرات للجميع تكاد لا تراهم، لكنهم موجودون ومنتشرون، ولله بأعمالهم راجون، وفي ثوابه راغبون.
Based on reporting by Al Watan.


