رسالة إلى «جيل زد»
يعتبر الفن أحد العناصر الأساسية في تكوين الفرد والمجتمع، إذ يساهم في تنمية الإحساس بالجمال وتوسيع رؤية الإنسان. في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، تزداد أهمية الفنون كوسيلة لتعزيز الروح والتوازن العاطفي.

قبل أيام، جلست فتاة من جيل زد إلى جوار كاتبة تقرأ رواية تتجاوز أربعمائة صفحة، فسألتها بدهشة: «أتقرئين كتابًا بهذا الحجم؟». أجابها الكاتب: «نعم، وقد قرأتُ عشراتٍ مثله»، لكن المفاجأة لم تكن في السؤال، بل في غياب أي فضول لمعرفة اسم الكاتبة أو موضوع الرواية، إذ قالت الفتاة باقتضاب: «أنا لا أقرأ أيّ كتب».
تعودت الفتاة، التي تنتمي إلى جيل زد، على العالم الرقمي والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ صارت لغته الأولى ونافذته الأوسع على الحياة. حاول الكاتب أن يشرح لها أن الرواية تنتمي إلى الأدب، وهو أحد أنواع الفنون، لكن الفتاة لم تبدِ أدنى معرفة بماهية الفن أو أهميته، ولم تُظهر اهتمامًا يُذكر بما يقال، وسألت مقتضبة: «وما المهم في ذلك حتى تقرئين كتابًا بكل هذا الحجم؟»، مشيرة إلى عدد الصفحات لا إلى الفكرة.
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، تزداد أهمية الفنون كوسيلة لتعزيز الروح والتوازن العاطفي. يعتبر الفن عنصراً أساسياً في تكوين الفرد والمجتمع، إذ يساهم في تنمية الإحساس بالجمال وتوسيع رؤية الإنسان. في ظل زحام المعلومات وتدفق المحتوى الرقمي، تظل الحاجة إلى الفنون قائمة، فهي تقدم مساحة للتأمل والهدوء بعيداً عن ضجيج الحياة الرقمية.
تؤكد الفنون، بمختلف أشكالها مثل الموسيقى واللوحات الفنية والنصوص الأدبية، دورها في تحريك المشاعر وتهدئتها، كما توفر وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر التي قد تعجز الكلمات عن وصفها. وتساعد الفنون في فهم الحياة والناس من خلال المسرحيات والأفلام السينمائية، فهي تعمل كالرسم الهندسي للحياة، إذ لا يمكن بناء أي صرح بدون تخطيط دقيق، كذلك لا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات بدون فنون تهذب الذوق وتنظم الفكر.
قبل أيام، جلست فتاة من جيل زد إلى جوار كاتبة تقرأ رواية تتجاوز أربعمائة صفحة، فسألتها بدهشة: «أتقرئين كتابًا بهذا الحجم؟».
وختم الكاتب رسالته إلى جيل زد، الجيل المرتبط بالتكنولوجيا ارتباطاً وثيقاً، الميال إلى السرعة واختصار الطريق إلى المحتوى، قائلاً: «إن الفنون، على اختلاف أشكالها، ليست ترفاً، بل هي غذاء خفي للروح». وأضاف: «أنتم بحاجة إلى موسيقى تُحرّك مشاعركم حين تخمد، وتهدّئها حين تضطرب، وبحاجة إلى لوحةٍ فنية تعكس أفكاركم وأحاسيسكم، وبحاجة إلى نصٍّ أدبي يلامس قلوبكم، ويُنمي خيالكم، ويمنحكم فسحةً للتأمل خارج صخب الواقع».
وأكد الكاتب أن عقول هذا الجيل في حاجة إلى إدراك حقيقة بسيطة وعميقة: «أن كلّ بناءٍ راسخ يسبقه رسمٌ هندسيّ دقيق؛ فكما لا يقوم صرحٌ بلا مخطّط، لا تستقيم حياةٌ بلا فنّ يُهذّب الذوق، ويُنظّم الفكر، ويمنح المعنى شكلاً جميلاً».
في ظل زحام المحتوى وتتابع الشاشات، تظلّ أرواح أبناء جيل زد في أمسّ الحاجة إلى ما يغذّي أعماقها ويوقظ وجدانها، فالفنان ليس رفاهية، بل ضرورة حياتية لا غنى عنها.
Based on reporting by Al Watan.


