رأي الوطن : تعظيم الاستفادة من الموقع ينشط الزخم الاقتصادي
تلعب اللوجستيات دوراً هاماً في استراتيجيات الدول الطامحة لتعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي. يعكس تطوير سلطنة عمان لمنظومة لوجستية متكاملة إدراكها لأهمية الموقع الجغرافي، مع التأكيد على ضرورة تعزيز البنية التحتية والتنظيم لتقليل الاحتكاك في حركة البضائع.

تشغل اللوجستيات اليوم موقعًا متقدمًا في تفكير الدول الطامحة إلى تعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي، إذ تمثل أداة لإدارة الجغرافيا وصناعة الدور، لا مجرد نشاط تشغيلي منفصل عن القرار السيادي. فالتجارة الدولية أصبحت محكومة بعناصر الزمن والموثوقية وسلاسة التدفق، وهي عناصر تنتج قوة اقتصادية غير صاخبة. وتأتي سلطنة عمان، من هذا المنطلق، لتعكس وعيًا بأن الموقع الجغرافي، مهما كان متفردًا، لا يمنح قيمته تلقائيًّا، بل تُصنع قيمته عبر البنية والتنظيم والقدرة على تقليل الاحتكاك داخل حركة البضائع.
ويبرز هذا التوجه في الأرقام التي تعكس ما حققته سلطنة عمان في منظومة موانئها البحرية، حيث ترتبط الموانئ العمانية، وعلى رأسها ميناء صحار وميناء الدقم وميناء صلالة، حاليًّا بـ86 ميناء تجاريًّا في نحو 40 دولة حول العالم من خلال ما يقارب 200 رحلة بحرية مباشرة أسبوعيًّا. وخلال الفترة بين عامي 2018 و2024، سجل قطاع الشحن البحري معدل نمو سنوي مركب يقارب 12%، وهو مؤشر على تطور الكفاءة التشغيلية وازدياد ثقة خطوط الملاحة العالمية.
ويأتي التحول الجمركي ليشكل عنصرًا محوريًّا في المنظومة اللوجستية العمانية، حيث أتاح النظام الجمركي الإلكتروني الشامل تقديم 496 خدمة إلكترونية عبر منصة موحدة تربط 74 جهة حكومية وخاصة. وأسهم تطبيق التخليص الجمركي المسبق وإدارة المخاطر الإلكترونية في خفض نسب التفتيش إلى مستويات تنافسية عالميًّا، وتقليص زمن الإفراج عن البضائع ليصبح خلال الساعات الأولى من وصول الشحنات بدلًا من الانتظار لعدة أيام، مما خفض تكاليف التخزين والتشغيل.
تشغل اللوجستيات اليوم موقعًا متقدمًا في تفكير الدول الطامحة إلى تعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي، إذ تمثل أداة لإدارة الجغرافيا وصناعة الدور، لا مجرد نشاط تشغيلي منفصل عن القرار السيادي.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في سياق التحوّلات المتسارعة التي تقودها التجارة الإلكترونية، حيث يفرض النمو المتصاعد لحجم السوق الإلكتروني نمطًا مختلفًا من إدارة التجارة. فإدارة الطرود الصغيرة، التي تتزايد أعدادها، تتطلب أنظمة مرنة وقابلة للتوسع، وهو ما تعكسه المبادرات الرامية إلى تنظيم تدفقات الشحنات الدولية وتكامل الجمارك مع الموانئ والمناطق الحرة.
وتعكس هذه الجهود قدرة سلطنة عمان على التموضع كمنصة إقليمية لحركة التجارة العابرة للحدود، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية ونضج منظومتها التنظيمية. فالمعنى من هذه الاستثمارات يتجاوز تسهيل الاستيراد أو دعم الاستهلاك، ليُقرأ كخيار للمستقبل يربط التحول الرقمي بالتنافس الاقتصادي، ويحول الاستقرار إلى قيمة تشغيليّة، ويتيح للدولة القدرة على التكيف مع اقتصاد عالمي سريع الإيقاع، شديد الحساسية، ومتغير الملامح.
Based on reporting by Al Watan.


