تساوق اللفظة مع الدلالة فـي السياق القرآني «دراسة فـي إطار البنية والتركيب» «3»
يُبرز النص القرآني التناسق بين اللفظ والسياق في آياته، حيث يتضح هذا الترابط في العديد من الأمثلة. يعد المثال الأول استخدام كلمة "ما" بدلاً من "من" ليعكس السياق المطلوب، موضحًا صفات الجهل والتكبر التي تنتقص من قيمة المتحدث.

أكد باحثون في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، في دراسة بعنوان "تساوق اللفظة مع الدلالة في السياق القرآني دراسة في إطار البنية والتركيب"، أن القرآن الكريم يتسم بتناغم دقيق بين اللفظ والمعنى في آياته، مشيرين إلى أن هذا الترابط يظهر في مواضع عديدة، من بينها استخدام كلمة "ما" بدلاً من "من" في بعض السياقات، وهو ما يعكس صفات الجهل والتكبر التي تنتقص من قيمة المتحدث. وأوضح الباحثون أن هذا العدول في اللفظ يأتي متناسبًا مع السياق، ليوضح جوانب الضعف في أسلوب المتحدث، مثل عدم إلمامه بأصول الحديث وأداب الحوار، إضافة إلى الكبر والعنجهية التي ترفع من شأن المتكلم على حساب المنطق الصحيح.
وتطرقت الدراسة إلى المثال الثالث من أمثلة الترابط بين اللفظ والسياق في قوله تعالى: "وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ". وأشارت الدراسة إلى أن هذا النص القرآني يكشف عن أسلوب التقريع والتوبيخ لأهل النار بعد استقرارهم في منازلهم، حيث يستخدم أهل الجنة ضمير الفخر "نا" للإشارة إلى أنفسهم وإلى ربهم، متضمنًا معاني العزة والامتنان، في حين يُحرم أهل النار من هذا التشريف، مما يعكس حجم الإهانة التي يعانونها.
ولفت الباحثون إلى أن استخدام ضمير الفخر "نا" من قبل أهل الجنة، مثل قولهم "مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا"، يعكس شعورهم بالفخر والامتنان، نظرًا لأنهم أطاعوا الله في الدنيا وعبدوه، مما أهلهم لنيل وعده بالجنة. بالمقابل، لم يذكر القرآن ضمير المخاطب لأهل النار في السؤال، مكتفيًا بقولهم "مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا"، وهو ما يُعد نوعًا من الإهانة، إذ لم يُنسب إليهم أي تشريف أو اعتبار، مما يبرز حجم الخزي والحسرة التي يعانونها.
ولفت الباحثون إلى أن استخدام ضمير الفخر "نا" من قبل أهل الجنة، مثل قولهم "مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا"، يعكس شعورهم بالفخر والامتنان، نظرًا لأنهم أطاعوا الله في الدنيا وعبدوه، مما أهلهم لنيل وعده بالجنة.
كما أوضحت الدراسة أن القرآن الكريم استخدم أسلوب الحذف في الرد على أهل النار، حيث اقتصر ردهم على كلمة "نَعَمْ"، وهي جملة مختصرة للغاية، تعبر عن حجم الألم والحسرة التي يعانونها، إذ لم يتمكنوا من نطق الجملة الكاملة "وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا"، بسبب ما يعانونه من ألم وندم. وأكدت الدراسة أن هذا الحذف، الذي تكرر مرتين في النص، مرة في مفعول "وعد" ومرة في الجملة الكاملة، يعبر عن عمق الخزي والحزن الذي أصاب أهل النار، مما جعلهم عاجزين عن الكلام، مكتفين بالصمت والكمد.
وخلص الباحثون إلى أن هذا التناغم بين اللفظ والسياق في الآيات القرآنية، سواء من خلال استخدام الضمائر أو الحذف، يعكس عمق الدلالة والمعنى، ويبرز كيف يتساوق اللفظ مع السياق ليخدم الغرض القرآني في التوبيخ والتقريع أو الفخر والامتنان. وأكدت الدراسة أن هذا الأسلوب القرآني، الذي يجمع بين الدقة اللغوية والمعنى العميق، يمثل نموذجًا فريدًا في التعبير عن المعاني الدينية والأخلاقية.
Based on reporting by Al Watan.

