موسم الزيتون...ذاكرة الأرض
في قريتي، يشكل موسم الزيتون ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية تتجاوز كونه نشاطًا زراعيًا. يتجدد هذا الموسم كل عام في تشرين الأول، حيث تستيقظ العائلات باكرًا وتذهب إلى الحقول للمشاركة في قطف الزيتون.

في قريتي، لا يمرّ فصل الخريف بهدوء، فهو الموعد السنوي لموسم الزيتون، الذي يتحوّل مع بداية تشرين الأول من نشاط زراعي إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية. العائلات تستيقظ باكرًا، تحمل معها الزاد وأباريق الشاي والقهوة والعصائر، وتخرج إلى الحقول، حيث يجتمع الناس تحت ظلال أشجار الزيتون لقطف الثمار وتبادل الأحاديث والغناء والضحك. لا يقتصر العمل على الجانب المادي، بل يصبح فعلًا اجتماعيًا يعيد إنتاج الروابط العائلية والاجتماعية، وفق ما قال ماكس فيبر، إذ يتحوّل التعاون في قطف الزيتون إلى مساحة تفاعلية تعيد ترسيم الهوية الجماعية لسكان القرية.
من الناحية الاقتصادية، يُعَدُّ موسم الزيتون مصدر دخل مهم للعديد من العائلات، سواء ببيع حبوب الزيتون أو زيته الشهي. في ظل التراجع الحاد الذي تشهده القرى اللبنانية نتيجة الهجرة الداخلية والخارجية، يأتي هذا الموسم كواحد من اللحظات القليلة التي تعيد ضخ الحياة في الأماكن المهملة، حيث يعود المغتربون، وإن لفترة قصيرة، للمشاركة في هذا الطقس الجامع. تلعب النساء دورًا محوريًا ليس فقط في الحقول، بل في المطبخ أيضًا، حيث تبدأ عملية تصنيع الزيتون بطرق متنوعة مثل الزيتون المملح والمجرّب والمسوّد، بالإضافة إلى خلطات الحشوة بالحرّ والجوز، مما يظهر الحرفة والانتماء الثقافي المتوارث عبر الأجيال.
تتحوّل المعاصر إلى بيوت مفتوحة يقصدها الناس من مختلف المناطق المجاورة لعصر زيتونهم، فتغدو مكانًا للقاء والضيافة. تُفرش الموائد بالخبز المرقوق واللبنة والجبنة والزّعتر والبيض المقلي والمربيات، وكلّها تُغمس في الزيت الطازج الحاد، ويقدّم الشاي والقهوة لتكتمل الجلسة بأجواء من الإلفة والفرح. مع تعاقب المواسم، عمل أصحاب المعاصر على تجديدها وتطويرها، فحدّثوا معداتهم وواكبوا الأساليب الحديثة، حرصًا على رفع جودة الإنتاج وتسهيل الخدمة للناس، ما زاد من مكانتها كمحطة أساسية في حياة القرية والمجتمع.
في قريتي، لا يمرّ فصل الخريف بهدوء، فهو الموعد السنوي لموسم الزيتون، الذي يتحوّل مع بداية تشرين الأول من نشاط زراعي إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية.
مع امتلاء التنكات بذهب الأرض، تبدأ أحاديث التباهي بين أصحاب الرزق، حيث يتحدّث كلّ منهم عن جودة أرضه وغزارة محصوله. هذا يتحدّث عن لونه الأخضر الصافي، وذاك يؤكد أن زيتونه يعصر على ٧٠ كيلوغرامًا، وآخر على ٧٥ كيلوغرامًا، بينما يفاخر آخر قائلًا: «زيتي لا يقاس بالكيلو بل بكل مدّ ورطلو»، في إشارة إلى وفرة الخير وجودة الثمار. لا أحد يبخّس بزيته، انطلاقًا من المثل القائل: «ما حدا بنادي عزيتو عكر».
هكذا، لا يكون الزيت مجرّد محصول، بل حكاية أجيال وذاكرة أرض ومرآة لتعب صار بركة في كل بيت. يشكّل موسم الزيتون مشهدًا متكاملًا من الإنتاج والهوية والتواصل الاجتماعي، وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الفردانية والتفكّك المجتمعي، يبقى هذا الموسم من اللحظات النادرة التي يظهر فيها المجتمع القرويّ كجسد واحد نابض بالعطاء والحنين والبساطة. في ظل ما نعيشه من اغتراب داخلي وخارجي، تبقى القرى حاجة ملحّة أكثر من كونها مجرّد حنين، وإن الاهتمام بها والعودة إلى الأرض والاعتناء بالمواسم، ليس مسؤولية وجدانية فحسب، بل مشروع إنقاذ للهوية وللاستقرار الاجتماعي في لبنان.
Based on reporting by An-Nahar.

