على عتبة الحقيقة: شهادة القضاء للناس
في مسار الدولة المثقلة بالعقود والالتزامات والشكوك، كثيراً ما تتوارى الحقيقة خلف طبقات من الضجيج، وتبقى الوقائع أسيرة ما يُقال أكثر ممّا يُثبت. ومع ذلك، لا يفقد القانون قدرته على الإضاءة حين يُستدعى إلى منصة القضاء. فهناك، على عتبة الحقيقة يستعيد الوطن…

في دولة تتراكم عليها العقود والالتزامات والشكوك، ofta تخفى الحقيقة خلف ضجيج لا ينتهي، وتبقى الوقائع حبيسة ما يُقال أكثر مما يُثبت. لكن القانون، حين يُستدعى إلى منصة القضاء، يستعيد دوره كمرجع نهائي لا ينازعه تقرير ولا تغلبه انطباعات. ففي هذه الساحة، على عتبة الحقيقة، يستعيد الوطن وضوحه، وتعود العدالة إلى دورها الطبيعي كضامن لاستقامة الدولة.
وفي هذا السياق، يبرز ديوان المحاسبة كسلطة قضائية حاسمة، لا يقتصر دوره على الرقابة الإدارية، بل يتعداها إلى حماية المال العام. فهو محكمة مالية تعيد ميزان الدولة إلى اعتداله كلما زاغت الإدارات أو ترددت السياسات. هناك، تلتقي الدقة والمسؤولية، وتلتقي الأرقام بالمبادئ، لتؤكد أن حماية المال العام ليست خياراً، بل واجب يفرض نفسه على كل من يتولى سلطة أو قراراً.
وقد تجلى هذا الدور بوضوح في ملف الاتصالات الذي شغل الرأي العام لسنوات، ودار حوله الكثير من الظنون والتقديرات. فلم يجد هذا الملف طريقه إلى خاتمة واضحة إلا حين عاد إلى ميزان القضاء المالي. هناك، بعيداً من الضوضاء، قيسَت الأفعال بمعيارها الوحيد: هل حمت الخزينة العامة أم أرهقتها؟ وعندما نطق الديوان بقراره، بدأ هذا القرار أشبه بتصفية نهائية للالتباس، وعودة صريحة للحق إلى موضعه.
وفي هذا الإطار، يبرز قرار الوزير بطرس حرب، الذي أقدم على فسخ عقد الإيجار الذي كان سيُلحق بالدولة خسائر محققة تُقدّر بحوالى عشرين مليون دولار. ولم يكن هذا القرار مجرد إجراء إداري، بل تجسيداً للواجب الوطني وحماية المال العام، ما دفع ديوان المحاسبة إلى إعفائه من أي مسؤولية أو عقوبة مالية.
في دولة تتراكم عليها العقود والالتزامات والشكوك، ofta تخفى الحقيقة خلف ضجيج لا ينتهي، وتبقى الوقائع حبيسة ما يُقال أكثر مما يُثبت.
وفي المقابل، أثبت الديوان أن وزراء آخرين لم يلتزموا مثل هذا المعيار، فكانت مسؤوليتهم ثابتة أمام القانون. وهذا يعكس عدالة القضاء وقدرته على التمييز بين الخطأ الواجب العقاب وبين القرار الذي يحمي الدولة.
ويأتي أهمية القرار رقم 165 / 2025 الصادر بتاريخ 20 / 11 / 2025 من بعده القانوني، فهو اجتهاد قضائي يرسخ مبدأ المشروعية في إدارة المال العام. ويعيد ضبط العلاقة بين الإدارة وحدود صلاحياتها، ويوضح أن الرقابة القضائية ليست إجراء شكلياً، بل ضمانة تحمي الدولة من تجاوزات قد لا تظهر نتائجها فوراً، لكنها تصيب المالية العامة في العمق.
إن قرار الديوان ليس حكماً في ملف واحد، بل إطار ناظم لمسار ترعاه العدالة وتستقيم به الإدارة. ومن يقف أمام أثره يدرك أن العمل الذي يصون المال العام لا يُدان، وأن الموقف الذي يحمي الدستور لا يُستباح. فالقضاء، حين يقول كلمته، يعيد للدولة توازنها، وللمؤسسات قيمتها، وللناس ثقتهم بأن الحقيقة، وإن طال غيابها، لا تضيع حين تجد طريقها إلى قاضٍ عادل.
Based on reporting by An-Nahar.

