المعرفة السجينة... مع وقف التنفيذ في الإدارة العامة
تلعب المعرفة دورًا حيويًا في الإدارة العامة، حيث تُعتبر موردًا أساسيًا لاتخاذ القرارات وتحسين السياسات. على الرغم من ذلك، تنتشر ظاهرة إخفاء المعرفة في بعض المؤسسات، مما يؤثر سلبًا على العمل المؤسسي.

تلعب المعرفة دورًا حيويًا في الإدارة العامة، فهي ليست مجرد تفاصيل تقنية ثانوية، بل مورد أساسي يشكل عنصرًا محوريًا في اتخاذ القرارات وتحسين السياسات وضمان الاستدامة المؤسسية. وتؤكد حنين الحسنية، باحثة دكتوراه في الإدارة العامة وبناء المؤسسات، أن الإنجازات لا تُقاس بالأداء وحده، بل أيضًا بقيمة المعرفة المتداولة داخل المؤسسة وحجمها. ومع ذلك، تنتشر في العديد من الإدارات العامة ظاهرة صامتة لكنها مؤثرة، وهي إخفاء المعرفة، التي يمكن تفسيرها من خلال نظرية
معضلة السجين
في علم السلوك التنظيمي. هذه النظرية تشير إلى أن الفرد، رغم إدراكه أن التعاون هو الخيار الأفضل للجميع، قد يختار حماية مصالحه الشخصية ظانًا أن ذلك يؤمن له أكبر قدر من الأمان، مما يؤدي في النهاية إلى خسارة جماعية.
تتحول المعرفة في بعض البيئات الإدارية إلى مصدر قوة فردية بدل أن تكون أداة مشاركة. فالبعض يفضل الاحتفاظ بالمعلومات أو تأخير مشاركتها أو تمريرها بشكل مجزأ، معتقدًا أن ذلك يعزز صورته المهنية أو يحفظ تميزه داخل المؤسسة. وترتبط هذه السلوكيات، وفقًا للدراسات في الإدارة، بسمات شخصية مثل الميل إلى السيطرة، أو تضخيم الذات، أو ضعف التعاطف، أو التعامل مع الآخرين من منطلق نفعي. ولا تُطرح هذه السمات بوصفها اتهامات، بل كأنماط سلوكية معروفة تختلف حدتها من مؤسسة إلى أخرى.
تلعب المعرفة دورًا حيويًا في الإدارة العامة، فهي ليست مجرد تفاصيل تقنية ثانوية، بل مورد أساسي يشكل عنصرًا محوريًا في اتخاذ القرارات وتحسين السياسات وضمان الاستدامة المؤسسية.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن البيئة الإدارية التي تظهر فيها. ففي بيئات تفتقر إلى الثقة، وتغيب فيها المحاسبة، ويُكرس التفضيل الفردي على حساب المصلحة العامة، يصبح إخفاء المعرفة سلوكًا قابلًا للتفسير من منظور فردي، وإن كان أحد الأسباب الأساسية لإضعاف العمل المؤسسي ذي المنفعة العامة. وغالبًا ما تتراكم نتائج هذا السلوك على شكل قرارات ناقصة، وأخطاء متكررة، وتضارب في العمل، وإنجازات متعثرة. ومع مرور الوقت، تفقد المؤسسة ذاكرتها التنظيمية، وتتآكل قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات، لأن المعرفة تبقى محصورة بالأفراد لا بالنظام.
في الإدارة العامة، تكون كلفة إخفاء المعرفة أعلى من أي قطاع آخر، إذ تصبح المعرفة جزءًا من المصلحة العامة. وإخفاؤها أو تشويهها ينعكس مباشرة على جودة العمل وعلى مستوى ثقة المواطن بالمؤسسات العامة. فالفرد الذي يخفي المعرفة عمدًا لحماية نفسه يساهم، من دون قصد، في إضعاف النظام الذي يمنحه هذا الشعور بالأمان. وتشكل هذه المفارقة جوهر
معضلة السجين
: القرار الذي يبدو عقلانيًا على المستوى الفردي يقود إلى نتيجة أسوأ على المستوى الجماعي.
تتطلب معالجة هذه الظاهرة بناء بيئة عمل تشجع المشاركة، وتفتح مساحة للنقاش البنّاء، والتعاون، وتكافؤ الفرص. كما تتطلب قيادة تمتلك وعيًا سلوكيًا، قادرة على التمييز بين الكفاءة الحقيقية والتحكم بالمعلومات بوصفه شكلًا من أشكال النفوذ. وفي المحصلة، لا تُبنى الإدارة الحديثة على ما يُخفى، بل على ما يُشارك. فالمعرفة، حين تبقى حبيسة الأفراد، تُضعف الدولة، أما حين تُدار كقيمة مؤسسية مشتركة، فتتحوّل إلى أحد أهم موارد العمل العام.
Based on reporting by An-Nahar.

