باريس تتطلع إلى صفقة أخلاقية
تتجه المؤسَّسة التشريعيَّة الفرنسيَّة إلى إصدار قانون خاص بالآثار، بهدف معالجة مشكلة مستمرة بين فرنسا وعدد من الدول التي كانت تخضع لها سابقًا.

تتجه المؤسسة التشريعية الفرنسية إلى إصدار قانون خاص بالآثار، يهدف إلى معالجة مشكلة مستمرة بين فرنسا ودول إفريقية كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، وذلك بعد تداوله تشريعيا في الأيام الأخيرة. ويوفر القانون غطاءً قانونيا للحكومة الفرنسية لإعادة الآثار التي استولى عليها الفرنسيون خلال الحقبة الاستعمارية، في خطوة تأتي بعد مطالبة اثنتي عشرة دولة إفريقية، من بينها الجزائر، باسترجاع آثارها الموزعة في المتاحف الفرنسية. وتغطي هذه الآثار الفترة من 1881 إلى 1972، وهي السنوات التي شهد فيها الاستعمار الفرنسي نشاطا واسعا في دول مجموعة الفرنكوفونية.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أبدى في عام 2017 تفهما لمطالب الدول الإفريقية، إلا أن هذه المطالبات ظلت تتجاذب منذ ذلك الحين دون حلول واضحة. وتأتي الخطوة التشريعية الجديدة في سياق مساعي فرنسا للتخلص من ماضيها الاستعماري، فضلا عن سعيها لتلبية مطالبات تتعلق بعلاقات عادلة وأخلاقية مع الدول التي تعرضت للاستعمار الفرنسي. كما تسعى فرنسا من خلال هذا القانون إلى تعزيز المصالح المشتركة مع الدول الإفريقية، مع معالجة التركة الاستعمارية التي ظلت تثير الجدل.
ومع ذلك، تثير الخطوة القانونية تساؤلات حول إمكانية استعادة جميع الآثار المنهوبة، إذ إن العديد من القطع الأثرية الثمينة قد سيطر عليها أفراد فرنسيون ونقلوها إلى فرنسا كغنائم شخصية، ويتم عرض بعضها في مزادات تجارية لا تخضع لسيطرة الحكومة الفرنسية، بل تخضع لمافيات دولية منظمة. ويشير المصدر إلى أن هذه الحقيقة قد تعيق الجهود الرسمية لاستعادة جميع الآثار، مما يطرح شكوكا حول مدى فعالية القانون الجديد في تحقيق أهدافه.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية على فرنسا للتخلي عن ممارساتها الاستعمارية السابقة، بما في ذلك تلك التي تعتبرها منظمة اليونسكو انتهاكات لحقوق الإنسان. وتجدر الإشارة إلى أن اليونسكو تتخذ من باريس مقراً لها، مما يضفي بعداً إضافيا على أهمية هذه الخطوة في نظر المجتمع الدولي. كما أن هناك توجهاً سياسياً متزايداً داخل فرنسا للتخلص من الوصمة الاستعمارية، وهو ما يتسق مع مطالبات بتعزيز العلاقات القائمة على العدل والندية.
تتجه المؤسسة التشريعية الفرنسية إلى إصدار قانون خاص بالآثار، يهدف إلى معالجة مشكلة مستمرة بين فرنسا ودول إفريقية كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، وذلك بعد تداوله تشريعيا في الأيام الأخيرة.
ويبرز في هذا السياق الإرث الفكري الذي تركه المفكرون الذين عاصروا الاستعمار، مثل الطبيب والفيلسوف فرانز فانون، الذي تناول في كتابيه "بشرة سوداء وأقنعة بيضاء" و"معذبو الأرض" كيف سعى الاستعمار الفرنسي إلى طمس هويات الدول الخاضعة وتجريدها من تراثها التاريخي. كما يشير المصدر إلى كتاب المستشرقة الألمانية زيغريد هونه "شمس الله تشرق على الغرب"، الذي استعرض كيف استغلت أوروبا آثار الدول النامية.
ومن جهة أخرى، فإن إعادة الآثار إلى أصحابها من الدول الإفريقية قد يسهم في تعزيز الهوية الوطنية لهذه الدول، إذ تمثل الآثار وثائق تاريخية تدعم عمقها الحضاري. ويشير الباحث الدكتور حسين الهنداوي إلى تبلور هامش أوروبي يعترف بفضل الشعوب الأخرى على أوروبا حضاريا، مما يدعم الجهود الرامية إلى إعادة هذه الآثار كجزء من معالجة التركة الاستعمارية.
ويخلص التحليل إلى أن هذه الخطوة الفرنسية قد تسهم في تعزيز نظام دولي أكثر عدلا، لا مكان فيه للاستحواذ الغاشم أو النهب الاستعماري، مما يفتح آفاقا جديدة لتعاون دولي قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
Based on reporting by Al Watan.

