"مئة وعشرون يوماً" في جزيرة إبستين
تتكرر أحداث التاريخ عبر الزمن، إذ تجسد رواية "120 يوماً في سدوم" للماركيز دو ساد الدور الذي تلعبه السلطة عندما تبتعد عن الرقابة.

عندما كتب الماركيز دو ساد روايته "120 يوماً في سدوم" داخل زنزانة في الباستيل، أضاف إلى البورنوغرافيا بُعداً لم يعد من الممكن تجاهله، وهو انعكاسها على ديناميات السلطة في السياسة. وصف دو ساد ما لا تخجل السلطة من فعله عندما تبتعد رويداً رويداً عن الرقابة، محاولاً أرشفة ما لن يتردد الرجال في فعله عندما تقترن السلطة بالثروة الفاحشة. اختار دو ساد أربعة أبطال يمثلون جميع أشكال السيطرة: أسقف، ودوق، وقاضٍ، ومصرفياً، ترافقهم زوجاتهم اللاتي يتبادلونهن كالجواري، وفقاً لما ورد في الرواية.
أكد أحد الشخصيات في الرواية قائلاً: "نحن معشر المنحلّين، نتّخذ النساء عبيداً لنا؛ لأنّ صفة 'الزوجة' تجعلهن أكثر خضوعاً من العشيقات، وأنت تعلم قيمةَ الاستبداد في اللذّات التي نختبرها". وتكشف هذه المبادئ عن العجرفة الكامنة وراء البيوت "البيضاء" والأفلام "الوثائقية"، حيث تخفي المساكن الفخمة والمظاهر العائلية ممارسات الاستغلال. انتقل بيير باولو بازوليني إلى فهم أعمق لرواية دو ساد، إذ رأى فيها تجسيداً للحالة المرافقة لجميع الأنظمة القمعية، خصوصاً البطريركية.
في فيلم بازوليني "سالو"، الذي استوحى أحداثه من رواية دو ساد، حوّل العمل إلى مشهد قاتم يعكس تحول الإنسان إلى أداة للمتعة، والمرأة إلى أداة احتقار، والجسد الطفولي إلى قربان لآلهة الحداثة. جُمع أبطال الفيلم من كبار الشخصيات الفاشية الذين خطفوا تسعة فتيان وتسع فتيات صغار من الريف، مقسمين الفيلم إلى ثلاثة أجزاء تحاكي جهنم دانتي. واختتم بازوليني الفيلم بمشاهد تعذيب مرعبة تُراقَب عبر المناظير، ليكشف عن القمع الحقيقي الذي يبدأ عندما نرى الفظائع بأعيننا ولا نجرؤ على تصديقها.
عندما كتب الماركيز دو ساد روايته "120 يوماً في سدوم" داخل زنزانة في الباستيل، أضاف إلى البورنوغرافيا بُعداً لم يعد من الممكن تجاهله، وهو انعكاسها على ديناميات السلطة في السياسة.
اليوم، تتجسد هذه الدورات التاريخية في قضية جيفري إبستين، الذي حوّل جزيرة ليتل سانت جيمس إلى مكان لجمع أثرياء العالم لتقديم القاصرات على أطباق من استغلال. كشفت الوثائق المسربة آلاف الصفحات من الشهادات، التي لا تتحدث عن انحراف فردي، بل عن شبكة بنيوية تشمل رباعية من السلطة ذاتها، مما يمنح الحصانة للرذيلة. أصاب العالم الفزع ليس بسبب الأفعال في ذاتها، بل بسبب اكتشاف أن المنظومة برمتها متورطة.
الضحايا في ملفات إبستين قتلوا مرتين: مرة في الجزيرة، ومرة عند محاولة طمس الحقائق وتلميع الأسماء الكبرى. وتكشف الوثائق عن تحالف بنيوي بين السلطة والثروة، حيث تُعرض الشفافية الزائفة من خلال تفاصيل مفرطة، بينما تُحجب الحقيقة الحقيقية المتمثلة في المحاسبة. لم تنته فصول إبستين بعدالة مطلقة، إذ وجد المجرم المدبر منتحراً في السجن تحت غموض تعطّل الكاميرات، تاركاً المتورطين الباقين دون حساب واضح.
Based on reporting by An-Nahar.

