رمضان بين صخب الذاكرة وسكينة المكان
تتميز سلطنة عُمان بإيقاع رمضاني هادئ يختلف عن الصخب الاحتفالي المعتاد في بعض الدول الأخرى. يتسم الشهر الفضيل هنا بحركة عبادات متأنية وليل يعيشه الناس بتؤدة، مما يتيح مساحة أكبر للتأمل والعبادة.

منذُ ما يقارب ثلاثة عقود، شهد الكاتب أول رمضان له في سلطنة عُمان، قادماً من خلفية رمضان مصري صاخب، حيثُ كانت الحارات والشوارع تمتلئ بضجيج الفعاليات، من مباريات كرة قدم في الشوارع إلى زينة الفوانيس والأضواء، في طقس شعبي لا يخلو من فخر وانتماء. في عُمان، وجد الكاتب إيقاعاً مختلفاً، هدوءاً يتسم به الشهر الفضيل، حيثُ تسيطر حركة العبادات على الأجواء، والمساجد عامرة بالمصلين، لكن الخطوات نحو التراويح هادئة دون ضجيج احتفالي.
على الرغم من وجود بعض الألعاب والأنشطة للأطفال والمراهقين، إلا أن الإيقاع العام في رمضان العُماني يتميز بثبات وهدوء، يتغير نمط العمل خلال الشهر الفضيل، حيث تصبح الاجتماعات أكثر هدوءاً والمهام أقل توتراً. هذا الإيقاع يسمح للمرء بالتركيز على الصيام كتمرين للانتباه إلى الأفكار والنوايا، وليس فقط الامتناع عن الطعام. في القاهرة، كان الليل يبتلع الجميع بحماسه، أما في مسقط، فقد تعلم الكاتب أن النهار نفسه يحمل طقساً روحانياً لا يقل أثراً عن التراويح.
تتميز الضيافة العُمانية في رمضان بعمق الكرم والاعتزاز بالضيف، حيثُ يتناول الإفطار بشكل جماعي مع الصحبة، مما يعزز الشعور بالمشاركة والتواصل الاجتماعي. في إحدى العزومات، أفطر الكاتب على التمر وصلَّى المغرب، ثم قدم المضيف بوليمة من المقبلات ظناً منه أنها الوجبة الرئيسة، لكن المضيف أكد أن ما سبق كان تسخيناً للمعدة، وأن الإفطار الحقيقي لم يبدأ بعد. تعلم الكاتب أن الضيافة هنا ليست بكم أكلت، بل بكم بقيت مع الصحبة، وأن الإفطار مساحة ممتدة للصحبة وللحديث وللطمأنينة عن الأخبار والعلوم.
في عُمان، وجد الكاتب إيقاعاً مختلفاً، هدوءاً يتسم به الشهر الفضيل، حيثُ تسيطر حركة العبادات على الأجواء، والمساجد عامرة بالمصلين، لكن الخطوات نحو التراويح هادئة دون ضجيج احتفالي.
مع مرور السنوات، أصبح رمضان عند الكاتب ذكرى مكانين وطقس مجتمعين، حيث كبر الأبناء وهم يختبرون دهشتهم الأولى مع الصيام في عُمان، بعد أن قضوا معظم طفولتهم في مصر. في ليالي مسقط الهادئة، يجلس الكاتب لحظة قبل الأذان، ينظر إلى الجبال التي ينسحب عنها الضوء ببطء، ويشعر بتصالح مع الإيقاع الذي لم يفهمه في البداية. تعلم أن الهدوء ليس فراغاً، بل مساحة لترتيب القلق ومراجعة الاختيارات وإعادة تعريف النجاح بعيداً عن ضجيج الإنجاز.
في كل مغرب، تمتد يد الكاتب إلى التمرة الأولى، مدركاً أن الرحلة لم تكن بين القاهرة ومسقط فحسب، بل بين نسخة قديمة منه ونسخة جديدة باتت بحكم السن أكثر هدوءاً، تعلمت أن تعيش الشهر بروحه، لا بإيقاعه فقط. كل عام، يتمنى الكاتب لأهله في مصر الغالية ولأصدقائه في عُمان الحبيبة الخير والسعادة.
Based on reporting by Al Watan.

